خليل الصفدي
333
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان في الفقه رأسا ، تخرج به جماعة ، وكان العلم به في إذاعة من غير إضاعة ، وكان يهضم قدره ، ولا يعرف الناس أمهر منه ، فإنه كان في مدارس تلاميذه معيدا ، وقد جعل اللّه بينهم وبينه بونا بعيدا ، وعنده إخلاص وورع ، وما ترك هضبة من الخشوع حتى اعتلاها وفرع . ولم يزل على حاله ، إلى أن فرغ الأجل ، وجل به أمر اللّه عزّ وجل . وتوفى - رحمه اللّه تعالى - في التاسع من جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبعمائة ، وعاش ثلاثا وثمانين سنة ، وشيّعه خلق كثير ، وجمع غزير . 268 - إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه « 1 » القاضي الكبير الرئيس ، أبو الفداء ، ابن القاضي شرف الدين ابن الصاحب فتح الدين بن القيسراني « 2 » . كان موقع الدست بالقاهرة ، ثم إن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون أخرجه إلى حلب كاتب سرّ في أيام الأمير علاء الدين الطنبغا ، وصل إليها في أوائل شوال سنة أربع عشرة وسبعمائة ، فباشر الوظيفة على القالب الجائر ، وأجرى اللّه بسعده فيها الفلك الدائر ، وضاق بالنائب عطنه ، وصار فيها الغريب معه وهي وطنه ، وكثر له الحسدة ، وجاءه كيد أعاديه وحشده ، وأوهموا الأكابر الذين في مصر منه ، وبلغوهم ما اختلقوه عنه ، فساعدوا الحلبيين على عزله ، ونقض غزله . وحضر هو وأولاده إلى دمشق ، ورتب فيها موقع الدست كبيرا ، وجعل ولداه في كتاب الإنشاء سراجا وقمرا منيرا ، ومال إليه آخر الأمر تنكز وأحبّه ، وملكه خاطره ولبّه . وكان ديّنا خيرا صينا ، يعصب لمن يقصده ، ويراقب عونه ويرصده ، يؤثر الفقراء ويودّهم ، ويقوم معهم إلى أن يقبل حظهم وجدهم .
--> من غبر : 5 / 306 ) . ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 1 / 955 ، والوافي بالوفيات : 9 / 217 ، وشذرات الذهب : 6 / 113 ، والمنهل الصافي : 2 / 423 . ( 2 ) ابن القيسراني : أبو محمد فتح الدين ابن القيسراني من علماء الوزراء ، شاعر أديب من بيت رياسة أصله من قيسارية الشام . ولد في دمشق سنة 633 ه ، وولي بها الوزارة في أيام السعيد بن الظاهر ، ستة أشهر وانتقل إلى مصر ، فتوفى فيها سنة 703 ه ، له كتاب في الصحابة ، وأربعون حديثا خرجها لنفسه ، وله نظم في ديوان . ( انظر : البداية والنهاية : 14 / 31 ، والدرر الكامنة : 2 / 284 ، والنجوم الزاهرة : 8 / 213 ) .